ابن الحسن النباهي الأندلسي
211
المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )
لا ينازع في شرف منتهاها . ارتحل عن بلده سبتة ، وقد تملأ من العلوم ، وبرع في طريقتي المنثور والمنظوم ؛ فطلع على الأندلس طلوع الصباح عقب السّرى ، وخلص إليها خلوص الخيال مع سنة الكرى ؛ فانتظم في الحين في سلك كتبتها ، وأمسى وهو صدر طلبتها - لما كان قد حصل له من الأخذ بأطراف الطلب ، والاستيلاء على غاية الأدب ؛ ورئيس الكتّاب يومئذ الشيخ العلّامة أبو الحسن ابن الجيّاب ، الشهير التشيّع لأهل البيت الكريم ، الموسوم بالشّيم الرضيّة ، والقلب السليم ؛ وكان - رحمه اللّه - مع أدوات كماله ، وما خصّ به في وقته من سنيّ أحواله ، وصالح أعماله ، ممّن شغف بالمذاكرة في الفنون الأدبيّة ، وغوامض أسرار العربيّة ، والرسائل السلطانيّة ، والمسائل البيانيّة ، فألفى من ذلك كلّه لدى الشريف ، الخليق بصنوف التشريف ، ما شاءه من معنى رقاق ، ولفظ رقراق ، وطبع بالمعارف دفّاق ، فجذبه الشيخ إليه ، وتلقّاه براحتيه « 1 » ، وذهب إلى مقارضته بالقريض ، ومساجلته في الطويل والعريض ، فقلّما كان بها رسم الكتابة إذ ذاك يفتنّ عن أدب يعتبر ، ونتف طرف تبعثر ، وقسطاس يوزن به ما يقلّ من المقال ويكثر ؛ ثمّ صرف إلى الاستعمال في الخطط القاضويّة سرف الاستظهار ، وبمعارفه الباهرة الأنوار ، وأحكامه القاضية بتأمين الأوطان وتأميل الأوطار « 2 » ؛ فتقدّم بذلك بجهات شتّى ، منها ريّة ، وحلبة الطّلبة بها سوابق غايات ، وخوافق رايات . وكانت ولايته عليهم حلّة نشرها الفضل من صوانها ، ودرّة أكثرها العدل لأوانها . أنزل أماثلهم من رعايته منازل الإكرام ، واختصّ منهم بمصاحبة الزاهد أبي عبد اللّه ابن عيّاش ، أحد العلماء الأعلام ؛ فتفقّه معه في أحكامه ، ونوازل أيّامه ، وأخذ نفسه بالاشتداد في نصرة المظلوم ، والضرب على يد الظلوم ؛ وله في هذا الباب أخبار مأثورة ، وحكايات مشهورة ؛ وعند ابتداء الفقهاء ، بالمسجد الجامع مجلس إقراء ، افتتحه أوّلا بالتمهيد ، وختمه بعلم الخليل ، وحبّره بالتوحيد والتعليل . وكان في إقرائه سريع الجواب ، متبحّرا في علم الإعراب ، فصيح اللسان ، بارع البنان ؛ فظفرت أيدي الطّلبة منه بالكنز المذخور ، المرويّة جواهر
--> ( 1 ) في الأصل : « براحيته » . ( 2 ) الأوطار : جمع وطر وهو الحاجة . لسان العرب ( وطر ) .